عبد القادر الجيلاني

15

فتوح الغيب

الإمام عبد القادر الجيلانيّ عصره ، حياته ، صفته ، تأثيره بقلم : الأستاذ أبي الحسن عليّ الحسنيّ النّدويّ * الحاجة إلى الدّعوة الشّعبيّة والإصلاح العامّ : لقد قام حجّة الإسلام الغزاليّ ، بشخصيّته الفريدة القويّة ، وجهاده العلميّ والإصلاحيّ ، بدور عظيم في تاريخ الإصلاح والتّجديد ، وكان الرّجل المطلوب للدّفاع عند هجوم الفلسفة اليونانيّة ، وإلحاد الباطنيّة وانحراف العلماء ، ولكن ظلّ العالم الإسلاميّ في حاجة شديدة إلى داع شعبيّ ، وشخصيّة روحيّة رفيعة ، أكثر اتّصالا بالشّعب وطبقات الجماهير ، ينفخ في المجتمع ، بدعوته ومواعظه وبتزكيته للنّفوس وإصلاحه للأخلاق ، روحا دينيّة ، وحياة إيمانيّة . وقد كانت الكثرة الكاثرة من المسلمين فريسة العلل الخلقيّة والاجتماعيّة ، وقد انتشر فيها التّعطيل والغفلة والجهالة والنّفاق ، ولم تؤثّر المناقشات العلميّة والفلسفات الملحدة إلّا في الطّبقة المثقّفة الرّاقية ، وخاصّة الخاصّة . وقد ظلّت الملكيّة المطلقة والحكومة الشّخصيّة ، تعملان عملهما في أخلاق الشّعب طيلة أربعة قرون ، وقد وجدت بتأثيرهما طبقة كثيرة لا همّ لهم في الحياة إلّا الحصول على الثّروة والتّرف ، أو نيل الجاه والشّرف ، وقد كانت لا تجحد باللّه والآخرة كعقيدة ، ولكنّها قد نسيت اللّه بتاتا ، وكانت تعيش في ذهول عن الآخرة ، وتحيا حياة مترفة لاهية . وقد أنشبت الحضارة العجميّة أظفارها في المجتمع الإسلاميّ ، وتغلغلت العادات العجميّة والتّقاليد الجاهليّة في نظام الحياة ، وارتفع مستوى المعيشة في الحواضر الإسلاميّة ارتفاعا عظيما ، وتضخّمت تكاليف الحياة وضرائب المجتمع - وهو ما يفرضه من لباس ومظاهر وآداب هي أقسى من ضرائب الحكومة - ووجدت أمّة من رجال البلاط وحاشية الأمراء ، وندماء أبناء الملوك وعبّاد الأغراض ، ومنتهزي الفرص النّفعيّين .